عن ورشة عمل أساسيات المناظرة

حاولتُ التّملص في الأيّام الماضية من وعدي بكتابة مقالة عن تجربتي مع ورشة عمل “أساسيات المناظرة” الّتي أقيمت ببلديّة الجّفرة بداية شهر نوفمبر الحالي، محاولتي هذه لم تكن بسبب انشغالي بالدّراسة بقدر ما كانت بسبب خوفي من ألّا أكتب بشكل وافٍ عن أربعة أيام شديدة الكثافة، فبعيداً عن مجالي الدّراسي العلمي وعن قوانين الطبيعة، أنا أؤمن بأنّ بعض الأيّام أشد كثافة وأكثر تركيزاً من الأخرى، وقد كانت أيّام الورشة السّخية بالأخذ والعطاء من ناحية المادّة العلميّة، وباذخة بصداقات جديدة واعدة دليلاً على ذلك.  وهكذا، لذات السّبب الذي جعلني أحاول التّملص، وبسبب شعوري بالامتنان لكلّ من كان جزءاً من هذه التجربة، قرّرت أن أوفِ بوعدي.

أُقيمت ورشة العمل بمدينة هون بتنظيم من المجلس الثّقافي البريطاني بالتّعاون مع جمعية شباب التّغيير الحضاري ضمن المشروع الإقليمي لصوت الشّباب العربي الّذي يعمل على تأسيس منابر للأصوات العربية الشّابة.

قام المدرّبان المعتمدان من قِبل صوت الشّباب العربي ونادي الحوار والمناظرة عبد الرّحمن الزّوبية ومحمد أبو سنينة بطرح المادّة العلمية للورشة بشكل احترافي وممتع على 25 متدرب/ـة من نشطاء المجتمع المدني وطلبة الجّامعات من مختلف مدن الجّفرة.  شعرتُ بالحظ يقف إلى جانبي وأنا واقفة بينهم، فالمعلومات الّتي أغدق بها المدرّبان علينا حفّزت نقاشات شيّقة بيننا كانت غنيّة ومثمرة، كما تخلّلت العشرين ساعة الّتي قضيناها معاً تمارين جماعيّة وفرديّة منوّعة لتعزيز فن الإلقاء لدينا والقدرة على الإقناع والتّحكم في لغة الجسد وسرعة البديهة وما إلى ذلك.  مارسنا المادّة المعطاة عمليّاً كمناظرين وميسّرين لمجموعة من المناظرات التدريبيّة التي تنوّعت مقولاتها، أُقيمت بثلاثة مباني (نماذج) عالميّة قياسية للمناظرة هي: مبنى البرلمان البريطاني ومبنى كارل بوبر ومبنى ميس الممدّد.  كان المدرّبان يعقّبان على أداء الجميع مما ساعد على سرعة التّطور وترابط الحجج المطروحة وقوة فحواها في وقت قصير.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%a8-%d9%85%d8%ad%d9%85%d8%af
صورة من اليوم الثالث يظهر فيها المدرب محمد أبو سنينة وهو يوضح بعض أساسيات المناظرة للمتدربين
%d8%aa%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%86-1
خلال تمرين يساعد على تطوير سرعة البديهة أشرف عليه المدرب عبد الرحمن الزوبية

%d8%aa%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%86-2

في اليوم الأول وخلال نقاشنا لأهداف المتقدّمين المرجوّة من هذا التّدريب، بحتُ للجميع -بصراحة مع بعض الخجل- أنني لا أجيد إطــالة أحاديثي مع من يخالفني الرّأي، ليس انفعالاً وتعصّباً لرأيي، لكنني ببساطة أفقد اهتمامي بأفكار الرّأي الآخر بسرعة.  لكن
من خلال تجربتي مع برنامج صوت الشّباب العربي، كان عليّ في بعض المناظرات أن أؤيد ما أعارض من أفكار وأن أعارض ما أؤيد، واستطعت في كلتا الحالتين استنباط إيجابيات المواقف الّتي لا تمثّلني، وأخذ سلبيات آرائي الشّخصية في عين الاعتبار بحياديّة أكبر.  المناظرة تجعلنا ندرك كلٌ من مأساويّة التّطرف في قناعاتنا وأهميّة تقدير الرّأي الآخر وتقبّله، ولهذا فإننا كليبيين في أمسّ الحاجة اليوم لنشر ثقافة المناظرة واتّخاذها كأسلوب حياة من أجل تحقيق حلمنا بدولة تحضننا بمختلف توجهاتنا.

%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b8%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d9%8a%d8%a9-2
صورة لأول مناظرة تدريبية أقيمت بالورشة في ثاني أيامها

%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b8%d8%b1%d8%a9-%d8%aa%d8%af%d8%b1%d9%8a%d8%a8%d9%8a%d8%a9%d8%a3%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b1%d8%b4%d8%a9

شهد حفل الختام الّذي أقيم عشيّة آخر أيّام التّدريب مناظرة علنيّة ساخنة بين 6 من المتدرّبين، طُرحت فيها مقولة “هذا المجلس سيفصل كلّيات بلديّة الجّفرة عن جامعة سرت”، كانت مناظرة حماسيّة جدّاً قُدّمت فيها حجج قويّة أحدثت تغييراً في الرّأي العام للحضور الذي تجاوز عدده المئة.

%d8%ad%d9%81%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d9%85-mod
صورة من المناظرة العلنية بحفل الختام

لا أحد يفضّل قراءة أو سماع الكلمات والأوصاف المبتذلة، لكننا ندرك جميعاً أنّها صارت مبتذلة لسبب ما، حيث يصعب علينا إيجاد ما هو أصدق منها في وصف مشاعرنا العظيمة، لهذا سأكتب بصدق وبكلّ بساطة أنّه يصعب عليَّ تصديق أنّ “20 ساعة فقط” قادرة على صناعة كل هذا التّغيير الهائل الذي شهدته في نفسي وفي الجّميع، وأنّه رغم قصرها إلّا أنّها حضنت الكثير من الذّكريات الجميلة -التي لن أنساها لوقت سيطول كثيراً- جمعتنا مدرّبين ومنسّقين ومتدرّبين، ورغم مرور وقت لا بأس به منذ ورشة العمل إلّا أنّي لا أزال مغمورة بالحب والامتنان اللذان كلّلا آخر أيّام الورشة حين لم يرغب أيٌّ منّا بمغادرة المكان الذي جمعنا كأسرة صغيرة محبّبة.

%d9%85%d8%af%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%88%d9%85%d8%aa%d8%af%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%88%d9%85%d9%86%d8%b3%d9%82%d9%8a%d9%86
صورة جمعت كل من المدربين والمنسقين والمتدربين بالورشة

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%ac%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%ad%d9%81%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%aa%d8%a7%d9%85

أخيراً، تقديراً منّا للرسالة العظيمة التي أوصلها لنا المدرّبان ولإيماننا بقوّة الكلمة الّتي نراها الوسيلة الحقيقيّة لصنع التّغيير، فإنّ لقاءاتنا هنا بالجّفرة لم تنقطع منذ بداية الورشة، سعياً لتأسيس نادي بالمنطقة يعزّز من لغة المناظرة والحوار لتشهد بلادنا أخيراً نهاية للتعصّب وللغة السّلاح وليُحدث صوتنا المسموع تغييراً حضارياً سلميّاً يليق بليبيا.

30.نوفمبر.2016

Advertisements

One thought on “عن ورشة عمل أساسيات المناظرة

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s