قيلولة لم أستيقظ منها بعد

لماذا كلما شاهدتَ وجهك النّضِر في المرآة تذكرت جاركم العجوز الذي تُنسيه شكواه من هذا الزمان التذمرَ إزاء صحته المتدهورة، والذي يوشم حنينُه للماضي وجهَه بالتجاعيد؟

هي الحرب فقط التي لا تستحي من توشيح الصغير بملامح الشيخوخة ودس الكثير من الرماد والدموع في عينيك الفضوليتين اللتين لم تريا الكثير من العالم بعد!

تنهب منك كل ما تخلّست سابقاً من رضى في لحظات سعادة مزعومة، وتُخفض من السقف الذي يعلو سحابات خيالك وتُحيطك بأسوارٍ تضيق بك وتوبّخك كلما تيقّظت من قيلولة وحاولتَ تمديد أطرافك الشاحبة التي ما عاد الدم يتذكر سبيله إليها فيعود النعاس يدغدغك لتدوم قيلولتك بدوام هذه الحرب اللعينة.

أتسائل ماذا ستفعل الحرب بك وبي وبجاركم الذي سئم عدّ أيامه؟ وأتسائل ماذا سنفعل نحن حيالها وحيال من إنتشلوا ورود الأحياء لزرع الألغام؟ وماذا سنفعل حيال من دفعتهم فرحة مادامت للعودة لبيوتهم لتسكن أخيراً أشلائهم أركاناً مختلفة من البلاد؟

Advertisements

جنازات تحيي أصحابها

13231143_806457932820226_210840591_n
إلتقطت هذه الصورة لـ (مشاركتكم) جنازة جمال تليق بكم، حيث تظهر السرايا الحمراء بطرابلس والشمس تغرب وتدنو لتغازلها ولتقبل سطح الماء برقة.

أحياناً تلح عليا الحاجة للبكاء في لحظات جميلة كهذه، قد أحاول كبحها لتخرج أخيراً على شكل تذمرات لا داعٍ لها فيظن رفاقي بأنني لا أقدّر هكذا جمال أو أعكره، ولا ألومهم!

كل ما في الأمر أنه كما تقابل كلمة “الجمال” كلمة “القبح” في القاموس الثقيل جداً بمكتبتنا، فإنه عندما يتجسد الجمال أمامي فهو ينافس كل ما يقبع في ذاكرتي من قبح، ويواسيني في كل ما مات مني وجرجرته معي حتى هذه اللحظة ليردمه بتفاصيلها بشكل لائق، بأصوات المارّين ورطوبة الجو والتمايل الأنيق لسعف النخيل، بالبلاطات التي تحتضن كمّ من تاريخ ليبيا، وبأشعة الشمس التي تحتضر بدورها لتخفف من وطأة هذه اللحظة لتصير أثقل بقليل فقط من قاموسنا.

تقديس لحظات الجمال بالنسبة لي لا يكمن في عدد الصور التي ألتقطها وقتها والتي أتخلص منها ما أن ينبهني جهازي بإمتلاء ذاكرته التي لا أريدها بديلاً لجنازاتي هذه التي تهبني قدر أكبر من الحياة، ولهذا السبب تحديداً مات ما كان مني متولع بفكرة إمتلاك كاميرا إحترافية، والذي دفنته في جنازة صغيرة كهذه ما عدت أذكر تفاصيلها.

آه، ذاكرتي هي الأخرى تتخلص من لحظات كان يجدر بي تقديسها بشكل أفضل، ولا أفلح في تصيّد عزاء هذه المرة!