لنزيح ما كدس في عقولنا منذ الصغر

كنت أجالس ابن أختي الصغير الذي لا يبلغ من العمر سوى ثمانية أشهر حين غصت في التفكير في وضع ليبيا الحالي المريب، في جبهات الحرب التي فاضت بها شوارع بنغازي وأهلكتها، في القلق الذي يجوب العاصمة والذي أوشح ملامحها بشيء من النقصان والخضوع وعدم الرضى، وفي التوجس المهيمن على المدن الأكثر إستقرارا كما هو الحال في مدينتي. لكن أكثر ما يربكني من كل هذه الفوضى هو الكم الهائل من الطاقة المهدرة بالبلاد.

في المدرسة كثيراً ماتذهلني (الطاقة) خلال حصص العلوم، فأستمتع كثيراً بدراسة أشكالها، وإدراك حقيقة أنها لا تفنى، وأن الإنسان منذ بدء الخلق سعى لتسخيرها في ما يفيده، فأشعل النار للدفئ والإنارة، ولحماية نفسه ومأواه، وسير الطاقات البشرية لبناء الأهرامات.

IMG_7804086552229
لوحة لصديقتي الفنانة Roya Reload

حدث أن كانت الثورة الليبية ناراً بالبلاد، فكان صوت المعتقدات المتضادة شرارة أوقدتها، والشباب فتيلها و إنتشار السلاح زيتاً يغذيها، فهدر الشباب إما مكدساً في إنتظار أبواب الجامعات لتفتح، أو معلقاً في جبهات القتال يتوهم بشكل مخزي لعب دور المناضل.

لا أعلم من أين لهؤلاء الشباب الكم الهائل هذا من الحقد والكره، عندما أجاري الأحداث على التلفاز و الأخبار التي يتناقلها الناس -وقلما أفعل- أتسائل كثيراً كيف كانت طفولة كل منهم، لعلها ألعاب الفيديو الدموية التي تشبعت طفولتهم بها فقتلت إنسانيتهم؟ أو لعلها كلمات الأهل التي أثرت سلبا فيهم، مثل “خليك راجل وأضرب” التي جميعهم يكررها بمكر ما أن يروا طفلهم يبكي بسبب شجار بدل من تعليمهم ثقافة العفو والسماح عند المقدرة والإعتذار عند إقتراف الخطأ.

صنعوا من الشباب جيشاً مفتول العضلات فاغر الفاه، مملوء اليدين فقير الإيمان، جعلوا منه جيشاً عدوا لنفسه! طاقة مهدرة!

قاطع أفكاري بكاء ابن أختي الذي مل اللعب وشعر بالإجهاد وترائى لي في نظرته النعاس، فتحت له أغنية هادئة لينام فما أن سمعها حتى صار يهز جسمه كله ويرقص ويصدر أصواتاً تنم عن الإنسجام، هذا الطفل الذي ما أظنه يدرك ما يفعل بعد، لكن لغريزة الإنسان سلطة على العقل والإدراك.

إننا البشر لخلقنا والفن والحب معجونان في طينتنا، وإننا خلقنا جميلين كما هو الله تعالى، وخلقنا للجمال، وإن كل جزء من كياننا لحقاً أحد أشكال الطاقة في هذا الكون، حتى صوتك وصوتى يحملان من الطاقة ما يشعل ناراً وما يخمدها، فلنزيح ما كدس في عقولنا منذ الصغر مما يشوب صفاء غريزتنا تحت مسميات التربية والأخلاق والعقاب، ولنعكس اللوحة الفنية بداخل كياننا التي منها ولها خلقنا.

Advertisements

يقين

لوحة للفنانة Alexandra Levasseur
لوحة للفنانة Alexandra Levasseur

 أنا لست بإنعكاس مرآة، ولا سطح ماء راكد يعكس ما يراه بشحوب. أنا كلمة مفقودة، قصة لم تقرأ بعد، أبيات شعرية  نسي ناظمها أن يدونها فأشتهاها صدأ الزمان.

لازلت أبحث عمن أنا، ألاحق هويتي، أنبش كياني، أسلخ عن نفسي كل ما ختم على حياتي لحظة ولادتي من معتقدات، إيمان، تقاليد، أيا كان! لأبحث عن الحقيقة،  فيتجسد في قلبي إيمان حقيقي لحظة اليقين.

لم أولد ليبية، ولا عربية، ولدت لأكون ابنة للأرض ولها سأعيش، لها سأحيي إيماني، ومن فوق ترابها سأعلو للسماء، ومن فوق سمائها سيرنو الله لي ليربت على بقاياي، وبقايا ما رأى في آدم لحظة خلقه.